المبشر بن فاتك
396
مختار الحكم ومحاسن الكلم
وقال بعض الحكماء : أذلوا رقاب الناس باصطاع المعروف عندهم ، فإن اصطناع المعروف كنز من الكنوز وعدة عند الحاجة . وقال بعضهم : الصمت خير من مقاولة الجاهل ، والقطيعة خير من مواصلة الأشرار ، وخشونة المعاش مع الصلاح خير من لينه مع الفساد ، وخمول الذكر السّنىّ خير من الذكر الذميم ، والاختفاء خير من ظهور الحاسد ، والفقر خير من غنى البخيل ، والدنئ المخف من الذنوب خير من الشريف الموقر منها ، والمجهول عند السلطان الجائر خير من ذي الجاه عنده ، والعقم خير من الولد الأحمق ، والمسجون خير من المخلّى سبيله مع أهل الفجور ، والعاقل المحروم خير [ 41 ا ] من الأحمق المرزوق . وقال آخر : العلم ذو أعضاء : فرأسه التواضع ، ودماغه معرفة الأمور ، وعيناه « 1 » النزاهة من الحسد ، وأذنه الفهم ، ولسانه الصدق ، وقلبه حسن النية ، ويداه الرحمة ، ورجلاه زيارة العلماء ؛ وسلطانه العدل ، ومملكته القناعة ، وسيفه الرضى ، وقوسه المسالمة ، وسهمه التحية ، وجيشه مشاورة الفهماء ، وزينته النجدة ، وحكمه الورع وكثرة البر ، وماله الأدب ، ورداؤه المعروف ، ومستقره سعة الرأي ، ومأواه الموادعة ، ورفيقه مودة الأخيار ، وذخيرته اجتناب الذنوب . وقال بعضهم : لما كان الإنسان مجموعا من كل شئ ، كان من كل شئ في الإنسان : فالجاهل « 2 » بنفسه جاهل بكل شئ . وقال بعضهم : الجاهل من كان عند نفسه عالما ، والعالم من كان عند نفسه جاهلا لا يعلم . وكان رجل من الحكماء « 3 » في مدينة أهلها على هيج واختلاط ، ولم يكن
--> ( 1 ) ص : عينيه . ( 2 ) د : كان الجاهل بنفسه جاهلا بكل شئ . ( 3 ) في صلب ص : العلماء ، وفي هامشها ما أثبتنا .